ابن جبير

217

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

فكان مقامنا بدنيصر إلى أن صلينا الجمعة وهو اليوم الرابع لربيع الأول تلوم أهل القافلة بها لشهود سوقها لان بها يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد بعدها سوق حفيلة يجتمع لها أهل هذه الجهات المجاورة لها والقرى المتصلة بها لان الطريق كلها يمينا وشمالا قرى متصلة وخانات مشيدة ويسمون هذه السوق المجتمع إليها من الجهات البازار وأيام كل سوق معلومة ورحلنا اثر صلاة الجمعة فاجتزنا على قرية كبيرة لها حصن تعرف بتل العقاب هي للنصارى المعاهدين الذميين ذكرتنا هذه القرية بقرى الأندلس حسنا ونضارة تحفها البساتين والكروم وأنواع الأشجار وينسرب بإزائها نهر ترف الظلال عليه وخطها متسع والبساتين قد انتظمته وشاهدنا بها من الخنانيص أمثال الغنم كثرة وأنسا بأهلها ثم وصلنا عشى النهار إلى قرية أخرى تعرف بالجسر هي الآن لناس من المعاهدين وهم فرقة من فرق الروم فكان مبيتنا بها ليلة السبت الخامس لربيع المذكور ثم أسحرنا منها ووصلنا مدينة راس العين قبيل الظهر من يوم السبت المذكور ذكر مدينة رأس العين حرسها الله هذا الاسم لها من أصدق الصفات وموضعها به اشرف الموضوعات وذلك أن الله تعالى فجر ارضها عيونا وأجراها ماء معينا فنقسمت مذانب وانسابت جداول تنبسط في مروج خضر فكأنها سبائك اللجين ممدودة في بمناط الزبرجد تحف بها أشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها إلى آخر انتهائها من عمارة بطحائها وأعظم هذه العيون عينان إحداهما فوق الأخرى فالعليا منهما نابعة فوق الأرض في صم الحجارة كأنها في جوف غار كبير